الشنقيطي
156
أضواء البيان
وأشار إلى أن تصديقه للكتب السماوية المنزلة قبله وتفصيله للعقائد والحلال والحرام ونحو ذلك . مما لا شك أنه من الله جل وعلا . دليل على أنه غير مفتري . وأنه لا ريب في كونه من رب العالمين ، وبين هذا في مواضع أخر كقوله : * ( لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاوْلِى الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَاكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لْقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * . وقوله : * ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ) * وقوله : * ( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) * والآيات في مثل ذلك كثيرة . ثم إنه تعالى لما صرح هنا بأن هذا القرآن ما كان أن يفترى على الله ، أقام البرهان القاطع على أنه من الله ، فتحدى جميع الخلق بسورة واحدة مثله ، ولا شك أنه لو كان من جنس كلام الخلق لقدر الخلق على الإتيان بمثله ، فلما عجزوا عن ذلك كلهم حصل اليقين ، والعلم الضروري أنه من الله جل وعلا ، قال جل وعلا في هذه السورة : * ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * وتحداهم أيضاً في سورة ( البقرة ) بسورة واحدة من مثله ، بقوله : * ( وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ) * : وتحداهم في ( هود ) يعشر سور مثله بقوله : * ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ) * : وتحداهم في ( الطور ) به كله بقوله : * ( فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ) * . وصرح في سورة ( بني إسرائيل ) بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله بقوله : * ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَاذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) * كما قدمنا ، وبين أنهم لا يأتون بمثله أيضاً بقوله : * ( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ) * . قوله تعالى : * ( بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) * . التحقيق أن تأويله هنا ، هو حقيقة ما يؤول إليه الأمر يوم القيامة ، كما قدمنا في أول ( آل عمران ) ، ويدل لصحة هذا قوله في ( الأعراف ) : * ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ ) * . ونظير الآية قوله تعالى : * ( بْل هُمْ فَى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ) * .